الشيخ الطبرسي
643
تفسير جوامع الجامع
يَعني الوَقْتَ الذي سَمَّاهُ اللهُ تعالى وضَرَبَهُ أَمَداً ينْتَهُونَ إليهِ لا يَتَجَاوزُونَهُ ، وهو تَمَامُ الأَلْفِ سَنَة . ثمَّ أَخْبَرَ أَنَّه ( إذَا جَآءَ ) ذلكَ الأَمَدُ ( لاَ يُؤَخَّرُ ) كما يُؤَخَّرُ هذا الوَقْتُ ، ولَمْ يَكُنْ لكم حِيلَةٌ . ( إِنِّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً ) أي : دَائِماً دَائِباً من غَيْرِ فُتُور . ( فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِى إِلاَّ فِرَاراً ) من قُبُولِهِ ، ونِفَاراً منه ، جَعَلَ الدُّعَاءَ فَاعِلَ زيَادَة الفِرَارِ . والمعنى : أنَّهم ازدَادوا عندَهُ فِرَاراً ، ونَحوُهُ قَولُهُ : ( فَزَادَتْهُم رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ ) ( 1 ) . ( كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ) أي : ليتُوبُوا عن كُفْرِهِم فَتَغْفِرَ لَهُم ، فَذَكَرَ المُسَبِّبَ الذي هو حَظُّهُم خَالِصاً ليكُونَ أَقْبَحَ لإِعْراضِهِم عنْهُ ( جَعَلُواْ أَصَبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ ) لئلاَّ يَسْمَعُوا كَلامي ودُعائي ( وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ) تَغَطَّوا بها لئلاَّ يَرْوني ، كأنَّهم طَلَبوا أَن يَغْشَاهُم ثيَابُهُم ( وَأَصَرُّواْ ) ودَاومُوا على كُفْرِهِم ( وَاسْتَكْبَرُوا ) وأَخَذَتْهُم العِزَّةُ من اتِّبَاعِي ، وذِكْرُ المَصْدَرِ تأْكيدٌ ودلاَلَةٌ على فَرْطِ استكبَارِهِم وعُتُوِّهِم . ابتَدَأَ ( عليه السلام ) في دَعْوَتِهِم بالأَهْوَنِ وتَرقَّى إلى الأَشَدِّ ، وذلك أنَّه نَاصَحَهم في السِّرِّ ، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا ثنَّى بالمُجَاهَرَةِ ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْثّرْ ثلَّثَ بالجَمْعِ بين الإِسْرارِ والإِعْلانِ . ومعنى ( ثُمَّ ) الدَلاَلَةُ على تَباعُدِ الأَحْوالِ ، فإنَّ الجِهَارَ أَغْلَظُ من الإِسْرَارِ ، والجَمْعُ بين الأَمْرَيْنِ أَغْلَظُ من إِفْرَادِ أَحَدهما . و ( جهَاراً ) مَصْدَرُ ( دَعَوْتُهُمْ ) لأنَّه أَحَدُ نَوْعَيْ الدُّعَاءِ ، فَنُصِبَ بهِ كَمَا يُنْصَبُ القُرْفُصَاءُ ( 2 ) ب ( قَعَدَ ) ، لِكَوْنِها أَحَدَ أَنْواعِ القُعُودِ ، أو : لأنَّه أَرادَ ب ( دَعَوتُهُمْ ) جَاهَرْتُهُم ، ويَجُوزُ أَن يكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرِ " دَعَوْتُ " أي : دُعَاءً جِهَاراً مُجَاهَراً بهِ .
--> ( 1 ) التوبة : 125 . ( 2 ) قال في الصحاح : القُرفُصاءُ : ضربٌ من القعود ، يمدّ ويقصر ، فإذا قلت : قَعَد فلانٌ القرفُصاءَ فكأنّك قلت : قعد قعوداً مخصوصاً وهو أن يجلس على أليتَيْه ويُلصق فَخِذِيْه ببطنِهِ ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه كما يحتبى بالثوب ، تكون يداه مكان الثوب . ( مادة : قرفص ) .